الكرامة و حقوق الانسان
مقدمة موسوعة الكرامة الإنسانية في الإسلام
| مقدمة موسوعة الكرامة الإنسانية في الإسلام |
|
|
|
مقدمة موسوعة الكرامة الإنسانية في الإسلام الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد...فالكرامة الإنسانية مطلب لا يقبل المساومة فهي حق من حقوق الإنسان التي كفلها الله للبشر ولذا فهو حق لا يمكن التنازل عنه، وهذا الحق لطالما أهدر في عهود طويلة على مر التاريخ والدهور، ولا يزال هذا الإهدار يتجسد في صور متعددة في عصرنا الحاضر أيضا.
جاء الإسلام ليرسخ مبدأ الكرامة الإنسانية للبشرية كافَّة حاملاً شعار: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) (الإسراء: من الآية70 ) وهو إعلان إلهي لتكريم الإنسان الذي سخرت له كل قوى الطبيعة لتنصاع بأمره؛ قال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً َفامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (الملك: 15) وقال تعالى:{ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ {13} وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {14} وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {15} وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ{16} أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ {17} وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ {18} وقبل ظهور الإسلام كانت البشرية غارقة في أسوأ حالات امتهان الكرامة الإنسانية على كل الأصعدة والمستويات فكانت المرأة تباع وتشترى ، والأطفال ينزعون من أحضان أمهاتهم ليعرضوا للبيع عبيداً فيحال بين الأم ووليدها ، ولم يكن للمرأة حق في اختيار من ستقطع معه مسيرة الحياة ، وتتكرر الصورة عند موت زوجها ؛ أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبا، فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها عليه حتى يشب أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبا نجت. فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}. وها هي الطفلة الصغيرة ...روح تسري في جسد يدب على الأرض..ها هي تدفن حية تحت التراب في أبشع صور امتهان كرامة الإنسان ، وبيد من؟ بيد أبيها ، قال تعالى : { وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ {8} بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ {9} التكوير تغير كل قبيلة على جارتها فتسفك الدماء ، وتسرق الأموال ، وينهب المتاع ، ويسترق الأطفال ، وتسبى النساء ، غرق في الفساد ، ظلم وبغي ، قتل ونهب ، سلب واسترقاق ظلمات بعضها فوق بعض . جاء الإسلام ليرسخ مفهوم إعادة الكرامة الإنسانية للإنسان مرة أخرى بعد أن فقدها أحقاباً من الزمان . جاء الإسلام ليبث في الناس مفهوم : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات: 13 ) ، وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلنها صريحة مدوية : ((يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى )) رواه أحمد وغيره وها هو خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعلنها : ألا إن القوي ضعيف حتى آخذ منه الحق، والضعيف عندي قوي حتى آخذ له الحق ) كنز العمال المجلد الخامس. الباب الأول في خلافة الخلفاء خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وها هو يعمق معنى حرية التعبير عن الرأي دون مصادرة أو ملاحقة فيقول : لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها أتى الإسلام ليحفظ للمرأة كرامتها بعد أن فقدتها بالكلية فها هو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يقول : (( إنما النساء شقائق الرجال )) رواهأحمد في مسنده وأبو داود والترمذي عن عائشة، ورواه البزار عن أنس وصححه السيوطي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم : 2863 ويقول في محفل آخر : ((خيركم خيركم لأهله. وأنا خيركم لأهلي )) رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم 1608 أتى الإسلام ليحفظ للأسير كرامته وإنسانيته فنرى التشريع الإسلامي يحث – لا على منع تعذيب الأسير أو تجويعه- إنما يتجاوز ذلك كله ويجعل إكرام الأسير نوعاً من العبادة والتقرب إلى الله ؛ قال تعالى في سياق الوصف الرائع للأبرار في سورة الإنسان : { إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا {6} يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا {7} وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا {8} إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا{ 9 } إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا {10} فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا {11} وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا } فانظر أخي القارئ الكريم إلى قوله تعالى : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ } فقوله : { عَلَى حُبِّهِ} أفاد أن الحث القرآني على الإطعام لم يكن لمن هو حالة الرخاء والسعة يجد فائضاً من الطعام فلبرما أطعم أسيره ون فضل ما تبقى من طعامه إنما الحال حال ضيق وقِلة ، ومع ذلك وبالرغم من حب الطعام في مثل هذه الظروف والحاجة إليه يأتي السياق القرآني : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} وقد يتقبل الفؤاد إطعام المساكين واليتامى فهم من أهانا ومن ملتنا فتوافر القلوب على الرأفة بهم والشفقة عليهم أمر جِبِلِّي فطري عند اصحاب الفطر السَّوِية والقلوب السليمة ، أما الأسير فقد كان بالأمس القريب عدوا محارباً يحرص على قتلنا وقتل أبنائنا وسبي نسائنا ، هنا تتجلى عظمة الإسلام في قهر ما في النفس البشرية من حبٍ للانتقام وتحويل هذه الغريزة إلى شفقة بالأسير وإكرام وإطعام له أتى الإسلام ليحفظ للمعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة كرامتهم فهم طوائف فقدت قدرتها على اللحاق بالركب وألجأتها الإعاقات إلى الجلوس في زاوية منعزلة من الحياة ، هنا يأتي الإسلام داعياً إلى الأخذ بأيدي هؤلاء ليأخذوا مكانهم في قافلة الحياة فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في معرض حثِّه على أنواع من صنائع المعروف : (( وتعين صانعاً أو تصنع لأخرق )) رواه البخاري برقم 2382
أتى الإسلام ليرسخ قيم الحرية كجزء لا يتجزأ من بنية الكرامة الإنسانية ، فها هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب يقول : ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) وتأتي تشريعات الإسلام متناغمة تحث على فك رقاب العبيد حيث جعل تحرير الرقاب من أعظم أنواع القربات إلى الله ؛ قال تعالى :{ وما أدراك ما العقبة * فك رقبة }( البلد 10-11) وقال تعالى : )لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: 89 ( )وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (المجادلة:3 ) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء:92)
أتى الإسلام ليكرس قيمة تساوي الناس في الحقوق الأساسية باعتبارها اللبنة الرئيسة في صرح الكرامة الإنسانية ، فلا كرامة لإنسان لم تتوافر له الحقوق الأساسية في الحياة ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلأ، والنار
وحيث أنه لا امتهان لكرامة الإنسان أكثر من لهثه وراء قطرة الماء فقد شدد الإسلام على من يمنع فضل الماء عند حاجة الناس إليه ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم : رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله : اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)رواه البخاري ) جاء الإسلام ليكرس حق الإنسان في أن يجد غذاءه الذي يسد به رمقه فنراه ينهى عن احتكار الطعام وقت الأزمات فها هو الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه يقول : (( لا يحتكر إلا خاطئ )) رواه مسلم ونراه ينهى عن غش الطعام فقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم ذات مرة على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: (( ما هذا يا صاحب الطعام؟ )) قال: أصابته السماء يا رَسُول اللَّهِ، قال: (( أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس! من غشنا فليس منا)) رواه مسلم
وهكذا يقر الإسلام لكل البشر كرامتهم وأحقيتهم في التمتع بحق الحياة وحق الحرية وحق الأمن وحق العيش بسلام وحق الماء والغذاء والهواء وحق الصحة وحق التداوي وحق التقاضي وحق السكنى والمأوى وحق التعليم ...إلخ من تلك الحقوق التي رسخها الإسلام قبل أن تعرف الدنيا أي نوع من المواثيق الدولية التي تحفظ حقوق الإنسان وترعى كرامته وفي هذه الموسوعة التي بين يديك أخي القارئ الكريم ستتعرف على الكثير والكثير مما رعاه الإسلام ورسخه من مفاهيم الكرامة الإنسانية ، فإلى الموسوعة ...
|
| < السابق | التالى > |
|---|



